من يملك نفط تونس وغازها؟ تحقيق في ملف "بيرنكو" الفرنسية وجرح لم يندمل
من يملك نفط تونس وغازها؟ تحقيق في ملف "بيرنكو" الفرنسية وجرح لم يندمل
بقلم: دالي كرينو | CarinoNews.com
في جزيرة قرقنة، حيث ترتفع أبراج الحفر على مرمى حجر من بيوت الصيادين، يعرف الأهالي منذ عقود أن أرضهم وبحرهم يعطيان أكثر بكثير مما يعود عليهم. هناك، تحت السطح، يستخرج النفط والغاز منذ سنوات طويلة عبر شركة تحمل اسماً بات مألوفاً في كل نقاش عن "ثروات تونس المنهوبة": بيرنكو، الشركة الفرنسية-البريطانية التي تدير حقل "الشرقي" بقرقنة وحقل "عشترت" قبالة سواحل صفاقس، شراكة مع المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية.
حقل يشتعل والعمال في الشارع
لم يكن هدوء قرقنة يوماً دائماً. عمال حقل "الشرقي" خرجوا مراراً في إضرابات مفتوحة، مطالبين بأبسط حقوقهم: منح متساوية بين الإداريين والعمال، صندوق اجتماعي، سكن للعمال القادمين من خارج الجزيرة، وبدلات شتاء وصيف عادلة. مشهد متكرر يلخّص المفارقة المرّة: ثروة تُستخرج من باطن أرضهم، بينما يقف من يستخرجها في طابور المطالبة بحقوقه الأساسية.
فضيحة عالمية تطال حقول تونس
القصة لا تتوقف عند شروط العمل. فبيرنكو، الشركة نفسها التي تدير عشترت والشرقي، متهمة عالمياً بتقديم رشى بمليارات الدولارات للفوز بعقود نفطية في عدة دول. حين خرجت هذه الفضيحة إلى العلن، كان اسم تونس حاضراً في القائمة، بعدما استحوذت بيرنكو على حصة شريكتها البريطانية "بتروفاك" في حقل الشرقي بقرقنة، لتصبح الشريك المباشر للدولة التونسية في واحد من أهم حقولها البترولية. سؤال مشروع يطرح نفسه: كيف تُمنح ثقة إدارة موارد استراتيجية لشركة يلاحقها ملف رشى بهذا الحجم في أكثر من قارة؟
الانسحاب... وفاتورة قد تدفعها تونس وحدها
وكأن المفارقة لم تكتمل، تتحدث تقارير عن نية بيرنكو الانسحاب من تونس، في خطوة قد تكلّف خزينة الدولة نحو 400 مليون دولار. سيناريو يتكرر في تاريخ علاقة تونس بالشركات الأجنبية الكبرى في قطاع الطاقة: الشركة تستخرج، تُراكم الأرباح لسنوات، ثم تنسحب حين تشاء، تاركة للدولة المضيفة فاتورة الالتزامات والتبعات البيئية والاجتماعية.
الشمس أيضاً... من يملك الضوء فوق تونس؟
وإذا كان النفط والغاز جرحاً قديماً، فإن الجرح الجديد يُفتح اليوم تحت الشمس ذاتها. في أفريل الماضي، صادق البرلمان على خمس اتفاقيات لزمات لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، أربع منها لصالح شركات فرنسية، بامتياز استغلال يمتد إلى 25 و30 سنة، وبأسعار كراء أراضٍ وصفها منتقدون داخل قبة البرلمان بـ"البخسة"، إضافة إلى تنازل عن سندات الكربون التي كانت من أصول الدولة. دراسة للمرصد التونسي للاقتصاد حذّرت من أن هذه العقود تُبقي الشركة التونسية للكهرباء والغاز "الستاغ" بلا ضمانات فعلية لكميات الإنتاج، في مقابل امتيازات سخية جداً لصالح المستثمر الأجنبي.
ذاكرة لا تُمحى
لفهم لماذا يشتعل الشارع التونسي كلما ظهر اسم شركة فرنسية في عقد طاقي جديد، لا بد من العودة إلى الجذر: خلال 75 عاماً من الاستعمار الفرنسي المباشر لتونس (1881-1956)، أُديرت ثروات البلاد الفلاحية والمعدنية بمنطق خدمة الاقتصاد الفرنسي أولاً، عبر نظام "الحماية" الذي كرّس تفاوتاً بنيوياً عميقاً. تلك الحقبة موثقة تاريخياً بلا جدال، وهي التي تجعل كل عقد طاقي جديد مع طرف فرنسي، مهما اختلفت شروطه القانونية اليوم عن الأمس، يُقرأ فوراً عبر عدسة هذا الإرث الثقيل.
![]() |
| تحقيق مطوّل: عقود النفط والغاز الفرنسية في قرقنة وصفاقس، إضرابات العمال، فضيحة رشى عالمية، وانسحاب قد يكلّف تونس 400 مليون دولار |
وللإنصاف: الرواية الأخرى
في المقابل، تدافع الحكومة والشركات المعنية عن هذه الشراكات باعتبارها ضرورة تقنية ومالية: تونس تفتقر لرؤوس الأموال والتكنولوجيا اللازمة لاستغلال حقولها ومواردها الشمسية بمفردها، والاستثمار الأجنبي، فرنسياً كان أو غيره، يبقى معتمداً عالمياً في قطاعات الطاقة الكبرى، شرط أن تُحسن الدولة المضيفة التفاوض على الشروط. وهنا بالضبط يكمن جوهر المطلب الشعبي والنيابي المتكرر: ليس رفض الاستثمار الأجنبي في حد ذاته، بل رفض الشروط المجحفة والغموض في التفاوض.
أسئلة يتداولها التونسيون على جوجل
من هي شركة بيرنكو وماذا تنتج في تونس؟
شركة فرنسية-بريطانية متخصصة في التنقيب عن النفط والغاز، تدير في تونس حقل "الشرقي" بجزيرة قرقنة وحقل "عشترت" قبالة سواحل صفاقس، بشراكة مع المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية.
هل صحيح أن بيرنكو متهمة بقضايا رشى؟
نعم، تعرضت الشركة لتحقيقات وفضيحة إعلامية دولية بخصوص رشى قدّمت للفوز بعقود نفطية في عدة دول حول العالم، وقد طالت هذه الفضيحة بالتبعية علاقتها بحقول تونس بعد استحواذها على حصة شريكتها البريطانية فيها.
لماذا يحتج عمال قرقنة بشكل متكرر؟
يطالب عمال حقل الشرقي بتحسين ظروف عملهم، من بينها منح متساوية بين الفئات، صندوق اجتماعي، سكن للعمال الوافدين، وبدلات موسمية عادلة.
ماذا يعني احتمال انسحاب بيرنكو من تونس؟
تشير تقديرات إلى أن انسحاب الشركة قد يرتب على الدولة التونسية أعباء مالية تُقدّر بنحو 400 مليون دولار، وهو ما يعيد إلى الواجهة نقاش هشاشة عقود الشراكة مع كبرى الشركات الأجنبية في قطاع الطاقة.
هل تخطط تونس لتقليص اعتمادها على الشركات الأجنبية في الطاقة؟
هذا هو جوهر الجدل الدائر حالياً: بين من يدعو لتسريع مشاريع الطاقة المتجددة عبر شراكات دولية، ومن يطالب بمراجعة شاملة للشروط التعاقدية لضمان سيادة أكبر على القرار والموارد الطاقية.
خلاصة
من رمال قرقنة إلى ألواح سيدي بوزيد الشمسية، يعيد ملف الطاقة في تونس طرح السؤال ذاته الذي رافق البلاد منذ قرن ونصف: من يقرر مصير ثروتها؟ التاريخ يفرض حذراً مشروعاً، والحاضر يفرض شفافية لا مساومة فيها. وبين الاثنين، يبقى الرأي العام التونسي هو الحكم الأخير على أي عقد يُعرض باسم "التنمية" أو "الشراكة".
تحقيق: دالي كرينو — CarinoNews.com

ليست هناك تعليقات