جريمة الادعاء بالباطل في تونس: الفصل 248، أركان الوشاية الباطلة وسوء النية وفق فقه قضاء محكمة التعقيب
جريمة الادعاء بالباطل حسب الفصل 248 من المجلة الجزائية التونسية: الأركان والشروط وموقف محكمة التعقيب
جريمة الادعاء بالباطل أو الوشاية الباطلة من الجرائم التي أثارت، ولا تزال تثير، جملة من الإشكالات القانونية الدقيقة، ليس فقط بالنظر إلى طبيعة الأفعال التي يمكن أن تندرج تحتها، وإنما أيضا بالنظر إلى ضرورة التمييز بين الشكاية التي ينتهي مآلها إلى الحفظ أو عدم سماع الدعوى، وبين الشكاية التي ثبت أن صاحبها تعمد منذ البداية إسناد وقائع كاذبة إلى شخص يعلم براءته منها.
وهنا تكمن المسألة الجوهرية التي تجعل الفصل 248 من المجلة الجزائية مادة قانونية تستحق التوقف عندها بعمق: فليس كل شخص تقدم بشكاية ثم انتهى البحث فيها إلى الحفظ يعتبر تلقائيا مرتكبا لجريمة الوشاية الباطلة، وليس كل حكم بعدم سماع الدعوى يعني بالضرورة أن الشاكي كان سيئ النية. فبين الأمرين مساحة قانونية واسعة لا يمكن تجاوزها إلا بفهم الأركان الحقيقية للجريمة، وخاصة ركن سوء النية الذي يمثل في كثير من القضايا حجر الزاوية في الإدانة أو البراءة.
ما هي جريمة الادعاء بالباطل أو الوشاية الباطلة؟
لقد نص الفصل 248 من المجلة الجزائية على ما يلي:
«كل من أوشى باطلا بأية وسيلة كانت بشخص أو بأشخاص لدى سلطة إدارية أو عدلية التي من نظرها أن تتبع هذه الوشاية أو أن تتعهد بها السلطة المختصة أو أن يتعهد بها رؤساء الموشى به أو مستأجره يعاقب بالسجن مدة تتراوح بين السنتين والخمسة أعوام وبخطية قدرها 720 د.
وإذا كان موضوع الوشاية من شأنه أن يترتب عنه عقاب جزائي أو تأديبي فإن التتبعات يمكن أن تجري بموجب هذا الفصل إما بعد الحكم الابتدائي أو الاستئنافي القاضي بعدم سماع الدعوى أو ترك السبيل أو بعد قرار الحفظ وإما بعد حفظ الوشاية من طرف الحاكم او السلطة العدلية او المستأجر الذين من نظرهم تقرير مثال الوشاية.
وعلى المحكمة المتعهدة بموجب هذا الفصل أن تؤجل النظر إذا كانت التتبعات المتعلقة بموضوع الوشاية ما زالت منشورة».
ومن خلال أحكام هذا النص يتضح أن المشرع التونسي جرم الوشاية الباطلة متى قام شخص، بأي وسيلة كانت، بتوجيه وشاية ضد شخص أو أشخاص لدى سلطة إدارية أو عدلية تكون لها صلاحية النظر في تلك الوشاية أو تتبعها أو إحالتها إلى السلطة المختصة، أو لدى رئيس الموشى به أو مستأجره بحسب الحالات التي حددها القانون.
وهذا يعني أن مناط التجريم ليس مجرد وجود شكوى أو وشاية، وإنما أن تكون تلك الوشاية باطلة وأن تتوفر، إلى جانب ذلك، بقية العناصر القانونية التي لا تقوم الجريمة بدونها، وفي مقدمتها العلم بكذب الادعاء وسوء النية.
متى تتحول الشكاية إلى جريمة ادعاء بالباطل؟
تطرح المسألة نفسها عمليا في صورة أصبحت مألوفة في الحياة القضائية: يتقدم شخص بشكاية جزائية ضد شخص آخر، وينسب إليه ارتكاب فعل مجرم، فتفتح الأبحاث، ويتم سماع الأطراف والشهود، وربما يتم إجراء الاختبارات والمعاينات وسائر الأعمال التي يقتضيها البحث، ثم تنتهي القضية إلى الحفظ، أو تتجاوز مرحلة البحث وتحال على المحكمة التي تقضي بعدم سماع الدعوى.
عندها قد يعتبر الشخص الذي وجهت إليه الشكاية أنه تعرض إلى وشاية باطلة، فيتجه إلى القيام ضد الشاكي الأول من أجل جريمة الادعاء بالباطل طبق الفصل 248 من المجلة الجزائية.
وبذلك تنقلب الأدوار تماما: يصبح الشاكي في القضية الأولى هو المشتكى به في القضية الثانية، ويصبح الشخص الذي كان في موقع المشتكى به في القضية الأولى هو الشاكي في قضية الوشاية الباطلة.
لكن هذه النتيجة لا تعني، بأي حال من الأحوال، أن مجرد انتهاء الشكاية الأولى بالحفظ أو بعدم سماع الدعوى يؤدي آليا إلى قيام الجريمة الثانية. وهذه النقطة بالذات هي التي كان لفقه قضاء محكمة التعقيب دور أساسي في توضيحها وترسيخها.
ثلاثة أركان أساسية لجريمة الوشاية الباطلة
بالنظر إلى خصوصية هذه الجريمة، فقد تأرجح فقه القضاء الجنائي في البداية في تحديد عناصرها وشروط قيامها، إلى أن تدخلت محكمة التعقيب التونسية في العديد من المناسبات لتضع معايير أكثر وضوحا، فأصبح من المستقر فقها وقضاء أن جريمة الادعاء بالباطل تقوم، من حيث الأصل، على ثلاثة أركان أساسية ومترابطة:
- أولا: وجود الوشاية أو الاتهام.
- ثانيا: كذب الوشاية.
- ثالثا: سوء النية.
وهذه الأركان ليست منفصلة عن بعضها البعض، وإنما هي أركان متلاحمة، بحيث لا يكفي إثبات عنصر واحد أو عنصرين للقول بقيام الجريمة. فلا بد من اجتماع العناصر الثلاثة حتى تتحقق المسؤولية الجزائية عن الوشاية الباطلة.
الركن الأول: وجود الوشاية أو الاتهام
أول عناصر الجريمة يتمثل في وجود وشاية أو اتهام موجه ضد شخص معين. وبالتالي يتعين على من يباشر التتبع من أجل الوشاية الباطلة أن يثبت أن هناك بالفعل شكاية أو وشاية قدمت ضدّه، وأنها تضمنت نسبة فعل أو أفعال إليه على وجه الاتهام.
فالركن المادي الأول لا يقوم على مجرد خصومة أو خلاف شخصي أو ادعاءات عابرة، وإنما يجب أن يكون هناك اتهام وصل إلى جهة من الجهات التي عددها القانون وأصبح من شأنه أن يترتب عنه تدخل سلطة مختصة أو إجراء بحث أو تتبع.
الركن الثاني: كذب الوشاية
أما الركن الثاني فيتمثل في ضرورة إثبات أن الوشاية كانت كاذبة. وهنا لا يكفي أن يقول المشتكى به إن الشكاية غير صحيحة أو أن الوقائع المنسوبة إليه لم تثبت، بل يجب أن يستند إلى مؤيد قانوني يثبت المآل النهائي للوشاية الأصلية.
ومن أبرز المؤيدات في هذا السياق وجود قرار نهائي بالحفظ في الحالات التي يكون فيها الحفظ قائما على عدم وجود الجريمة أو تخلف أركانها، أو وجود حكم نهائي بعدم سماع الدعوى في خصوص الأفعال التي نسبت إلى المشتكى به.
لكن هنا تظهر إحدى أهم النقاط الدقيقة في المادة، وهي أن ليس كل قرار حفظ دليلا على كذب الوشاية.
هل الحفظ لعدم كفاية الحجة يثبت الوشاية الباطلة؟
هذه المسألة أثارت إشكالا كبيرا أمام القضاء، خاصة عندما تكون الشكاية المتعلقة بجريمة الادعاء بالباطل مؤسسة على قرار حفظ لعدم كفاية الحجة.
والحقيقة القانونية التي يجب الانتباه إليها هي أن الحفظ لعدم كفاية الحجة يختلف عن الحفظ لعدم وجود جريمة أو عن الحفظ بسبب تخلف أركان الجريمة.
فالحفظ لعدم كفاية الحجة لا يعني بالضرورة أن الواقعة لم تحصل، ولا يعني أن الاتهام كان كاذبا، وإنما يعني أن الأدلة المتوفرة في تلك المرحلة لم تكن كافية لمواصلة التتبع أو لإقامة الحجة اللازمة، مع بقاء إمكانية الرجوع إلى التحقيق والبحث متى ظهرت أدلة جديدة.
وقد حسمت محكمة التعقيب هذه المسألة في قرارها التعقيبي الجنائي عدد 5935 المؤرخ في 13/02/2001، حيث جاء فيه:
«من الأركان الأساسية لقيام جريمة الوشاية الباطلة كذب الوشاية وعدم صدقها ويكون ذلك بعد حفظها حفظا قانونيا لعدم وجود جريمة أو تخلف أركانها أما حفظها لعدم كفاية الحجة بمقتضى قرار من قبل قاضي التحقيق يظل الرجوع فيه قائما متى ظهرت أدلة جديدة فإنه لا يقطع بكذب الوشاية وعدم صدقها».
وهذا القرار يحمل أهمية عملية بالغة، لأنه يقرر أن قرار الحفظ لعدم كفاية الحجة لا يقطع بكذب الوشاية، باعتبار أن ذلك الحفظ يظل مؤقتا وقابلا للرجوع فيه متى ظهرت أدلة جديدة.
ومن ثم لا يمكن، من حيث الأصل، تأسيس جريمة الادعاء بالباطل على مجرد قرار حفظ لعدم كفاية الحجة والقول إن ذلك القرار وحده يثبت أن الشاكي كان قد تقدم بوشاية كاذبة.
فجريمة الوشاية الباطلة تحتاج إلى أساس أكثر صلابة: يجب أن يكون ثمة ما يثبت أن الوشاية نفسها كانت كاذبة، وليس فقط أنها لم تكن مدعومة بما يكفي من الأدلة في مرحلة معينة.
الركن الثالث: سوء النية... أصعب أركان الجريمة
إذا كان الركنان الأول والثاني يمكن إثباتهما في الغالب بمؤيدات ووثائق وقرارات قضائية، فإن الركن الثالث، أي سوء النية، يبقى الأكثر دقة وإثارة للإشكالات.
فقد اعتبر البعض في مرحلة معينة أن مجرد ثبوت تقديم الوشاية، ثم ثبوت بطلانها، يؤدي بصورة آلية إلى استنتاج سوء النية. غير أن هذا التوجه لا يستقيم بالضرورة، لأن الإنسان قد يتقدم بشكاية بناء على وقائع اعتقد صحتها، ثم يعجز عن إثباتها، أو يتبين بعد البحث أن الوقائع لا تستوجب التتبع أو أن أركان الجريمة غير متوفرة.
وهنا تدخلت محكمة التعقيب لتؤكد أن سوء النية لا يفترض آليا، بل هو عنصر واقعي يتولى قاضي الموضوع استخلاصه من ظروف القضية وملابساتها ومادياتها، على أن يكون تعليل المحكمة سائغا وقانونيا.
وفي هذا الاتجاه جاء القرار التعقيبي عدد 6453 المؤرخ في 04/05/1970 مقررا:
«إن ركن سوء النية في جريمة الادعاء بالباطل عنصر واقعي يستخلصه القاضي من ظروف القضية ويستظهره بحكمه بتعليل سائغ قانونا».
وهذا المبدأ بالغ الأهمية، لأنه يمنع تحويل كل شكاية انتهت إلى الحفظ أو عدم سماع الدعوى إلى جريمة وشاية باطلة بصورة آلية.
فالقاضي مطالب بالنظر في النية الحقيقية للواشي، وفي الظروف التي أحاطت بتقديم الشكاية، وفي طبيعة الوقائع التي تم الإبلاغ عنها، وفي الأدلة والمؤيدات التي كانت متوفرة لدى الشاكي عند مباشرته للتشكي، وفي مختلف الملابسات التي يمكن أن تكشف هل كان يتحرك بحسن نية اعتقادا منه بوجود جريمة، أم كان يعلم مسبقا أن ما ينسبه إلى خصمه غير صحيح وأنه إنما لجأ إلى القضاء بقصد الإضرار به أو النيل منه أو الزج به في تتبعات يعلم أنها مؤسسة على وقائع كاذبة.
سوء النية لا يفترض بمجرد الحفظ
إن سوء النية مسألة باطنية في أصلها، والقاضي لا يستطيع الاطلاع مباشرة على ما يدور في نفس الشاكي، وإنما يستخلصها من الوقائع الخارجية والماديات والقرائن والملابسات.
ولهذا أكدت محكمة التعقيب في قرارها التعقيبي عدد 3790 المؤرخ في 30/06/1965 المبدأ التالي:
«لا تتوفر أركان الوشاية إلاّ إذا ثبت أن الواشي كان عالما بكذب الوشاية».
وهنا تظهر المسألة الفاصلة بين الشاكي حسن النية وبين الواشي سيئ النية.
فالأول قد يتقدم بشكاية لأنه يعتقد أن فعلا مجرما وقع، وقد تكون لديه أسباب واقعية جعلته يشتبه في شخص معين، ثم يتبين بعد البحث أن الأدلة غير كافية أو أن الأركان القانونية للجريمة غير متوفرة. أما الثاني فهو الذي يعلم، وقت تقديم الشكاية، أن الشخص الذي يتهمه بريء من الوقائع التي ينسبها إليه، ومع ذلك يقدم الشكاية ويصر على توجيه الاتهام إليه.
والفرق بين الصورتين ليس شكليا، بل هو الفرق الذي قد يفصل بين استعمال مشروع لحق التشكي وبين قيام جريمة جزائية.
لماذا تعتبر قضايا الوشاية الباطلة من أصعب القضايا إثباتا؟
لأن الأركان الثلاثة لجريمة الادعاء بالباطل أركان متلاحمة وتراكمية، ولا يكفي أن يثبت المدعي وجود الشكاية وأن مآلها كان الحفظ أو عدم سماع الدعوى، بل يجب أن يثبت أيضا أن الوشاية كانت كاذبة وأن صاحبها كان يعلم بكذبها وتعمد توجيهها.
ولهذا يفسر هذا الأمر انتهاء عدد كبير من قضايا الادعاء بالباطل إلى القضاء بعدم سماع الدعوى، خاصة عندما يعجز القائم بالتتبع عن إقامة الدليل على سوء النية، أو عندما يكون مآل الشكاية الأولى قائما على حفظ مؤقت لعدم كفاية الحجة.
فالقانون لا يعاقب الإنسان لمجرد أنه أخطأ في تقدير الوقائع، ولا لمجرد أنه لم يتمكن من إثبات شكايته، وإنما يتطلب الأمر قيام العناصر القانونية للجريمة بالشكل الذي يسمح بإسناد المسؤولية الجزائية.
التشكي على المسؤولية الخاصة وسوء النية
ومن المسائل التي يجب الوقوف عندها كذلك أن القيام بالتشكي على المسؤولية الخاصة طبق أحكام الفصل 36 من مجلة الإجراءات الجزائية لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن يجعل ركن سوء النية مفترضا بمجرد انتهاء الشكاية بالحفظ أو القضاء بعدم سماع الدعوى.
فالفصل 248 من المجلة الجزائية عندما تعرض إلى الوشاية لم يخص الوشاية أو الشكاية المقدمة على المسؤولية الخاصة بأحكام تجعل سوء النية مفترضا.
وبالتالي لا يوجد، من حيث الأصل، فرق في هذا المجال بين التشكي العادي والتشكي على المسؤولية الخاصة عندما يتعلق الأمر ببحث مدى قيام جريمة الادعاء بالباطل.
فمجرد استعمال الشخص للحق الذي منحه له القانون في القيام على المسؤولية الخاصة لا يعني أنه كان سيئ النية، كما أن انتهاء التتبع إلى الحفظ لا يحول ممارسة ذلك الحق المشروع إلى قرينة قاطعة على سوء النية.
وماذا عن استئناف قرار ختم البحث؟
المسألة نفسها تنطبق على الطعن بالاستئناف في قرار ختم البحث من طرف الشاكي.
فلا يمكن اعتبار ممارسة حق الاستئناف، في حد ذاتها، دليلا على سوء النية أو إصرارا على توجيه تهمة يعلم صاحبها أنها باطلة، طالما أن القانون نفسه منح الشاكي هذا الحق.
وقد أكدت محكمة التعقيب ذلك بوضوح في قرارها التعقيبي الجنائي عدد 4205 الصادر بتاريخ 19/12/2000، حيث جاء فيه:
«إن المعتمد لقيام الركن الأول والأساسي لجريمة الوشاية الباطلة هو الاتهام الباطل أما ما يتبع التشكي والحفظ من قيام على المسؤولية الخاصة واستئناف قرار بحث قلم التحقيق فلا يقوم دليلا على الاصرار على توجيه التهمة الباطلة وسوء النية في ذلك طالما أن النص اكتفى بالوشاية الباطلة ولم يرتب على الحق الذي أباحه القانون للأفراد من تشك وسلوك ما خوله الفصل 36 من م.ا.ج من قيام على المسؤولية الخاصة وإتباع ما خوله الفصل 109 من نفس القانون من استئناف القائم بالحق الشخصي لقرار ختم البحث أثرا يؤدي لسوء النية الذي يبقى أمرا موضوعيا خاضعا لاجتهاد محكمة الموضوع التي عليها حسن التعليل».
✍️ بقلم: دالي كرينو
بوابة كرينو نيوز
وهذا الاتجاه القضائي يكرس قاعدة مهمة جدا: استعمال حق قانوني لا يمكن أن يتحول بمجرده إلى دليل على سوء النية.
فإذا كان القانون قد أعطى الشخص حق تقديم الشكاية، وحق القيام على المسؤولية الخاصة، وحق الطعن في القرارات التي أجاز له القانون الطعن فيها، فلا يجوز أن يصبح استعمال تلك الحقوق قرينة آلية على ارتكاب جريمة الوشاية الباطلة.
الفصل 248 من المجلة الجزائية بين حماية الأفراد وحماية حق التشكي
إن فلسفة تجريم الوشاية الباطلة تقوم على تحقيق توازن دقيق بين مصلحتين متقابلتين: فمن جهة، لا يمكن السماح بتحويل أجهزة العدالة والإدارة إلى وسيلة للانتقام الشخصي وتشويه السمعة والزج بالأبرياء في تتبعات يعلم أصحابها أنها مؤسسة على وقائع كاذبة؛ ومن جهة أخرى، لا يمكن تخويف الناس من ممارسة حقهم في التشكي والتبليغ عن الجرائم بمجرد احتمال عدم نجاح شكاياتهم.
ومن هنا تأتي أهمية التشدد في إثبات سوء النية والعلم بكذب الوشاية، لأن فتح باب المسؤولية الجزائية بمجرد انتهاء الشكاية بالحفظ قد يؤدي إلى نتيجة خطيرة تتمثل في إحجام الأشخاص عن التبليغ عن الجرائم خوفا من أن يجدوا أنفسهم متهمين لاحقا بالوشاية الباطلة.
والقاعدة التي يكرسها فقه القضاء هي أن القضاء مطالب بالتفريق بين الشكوى التي فشلت في إثبات ما ورد فيها، وبين الشكوى التي كان صاحبها يعلم أنها كاذبة عند تقديمها.
الخلاصة القانونية لجريمة الادعاء بالباطل
إن قراءة الفصل 248 من المجلة الجزائية على ضوء فقه قضاء محكمة التعقيب تقود إلى نتيجة واضحة: جريمة الادعاء بالباطل لا تقوم بمجرد وجود شكاية انتهت بالحفظ أو بعدم سماع الدعوى.
بل لا بد من اجتماع أركان أساسية تتمثل في وجود الوشاية، وثبوت كذبها، ثم ثبوت سوء النية والعلم بكذبها، مع ضرورة أن يستخلص القاضي هذا الركن الأخير من ظروف القضية ومادياتها وأن يعلله تعليلا سائغا.
كما أن قرار الحفظ لعدم كفاية الحجة لا يثبت، بمفرده، كذب الوشاية، باعتبار أن هذا النوع من الحفظ لا يقطع نهائيا مع إمكانية إعادة البحث متى ظهرت أدلة جديدة.
وفي المقابل، فإن الحفظ القانوني لعدم وجود الجريمة أو لتخلف أركانها، أو الحكم النهائي بعدم سماع الدعوى، يمكن أن يكون منطلقا لبحث مدى قيام جريمة الوشاية الباطلة، لكنه لا يغني وحده عن إثبات باقي الأركان، وعلى رأسها سوء النية.
كما أن التشكي على المسؤولية الخاصة طبق الفصل 36 من مجلة الإجراءات الجزائية، أو ممارسة حق الاستئناف طبق الفصل 109 من نفس المجلة، لا يجعلان سوء النية مفترضا، لأن ممارسة الحقوق التي منحها القانون لا يمكن أن تتحول آليا إلى دليل إدانة.
وفي النهاية، يبقى سوء النية عنصرا موضوعيا يخضع لاجتهاد محكمة الموضوع، التي عليها أن تستخلصه من ظروف القضية ومادياتها وأن تضمن حكمها تعليلا قانونيا سائغا يبرر النتيجة التي انتهت إليها.
ومن ثم فإن قوة الدفع في قضايا الادعاء بالباطل والوشاية الباطلة في القانون التونسي لا تكمن في مجرد القول إن الشكاية الأولى انتهت بالحفظ، وإنما في تفكيكها قانونيا وإثبات مآلها النهائي، وطبيعة سبب الحفظ، ومدى ثبوت كذب الوقائع، ثم البحث بصورة مستقلة ودقيقة عن الدليل الذي يثبت أن صاحب الوشاية كان يعلم بكذبها وقت تقديمها وأنه تعمد استعمالها للإضرار بالغير.
وهنا بالذات تتجلى قيمة فقه قضاء محكمة التعقيب، الذي تدخل في العديد من المناسبات لوضع حدود واضحة تمنع التوسع غير المشروع في تطبيق الفصل 248 من المجلة الجزائية، وتحافظ في الوقت نفسه على حق المتضرر من الوشاية الكاذبة في اللجوء إلى القضاء ومساءلة من تعمد إسناد وقائع باطلة إليه.
فالوشاية ليست جريمة لمجرد أنها لم تنجح، وإنما تصبح جريمة عندما يثبت أنها باطلة وأن من قدمها كان يعلم ببطلانها وسعى، رغم ذلك، إلى استعمال سلطة الإدارة أو القضاء ضد شخص يعلم براءته.
وهذا هو الفاصل الحقيقي بين حق الإنسان في التشكي والتبليغ وبين جريمة الادعاء بالباطل، وهو أيضا جوهر الاجتهاد القضائي الذي أرسته محكمة التعقيب في هذه المادة.
كلمات مفتاحية: جريمة الادعاء بالباطل، الوشاية الباطلة في تونس، الفصل 248 من المجلة الجزائية، أركان الوشاية الباطلة، سوء النية في الادعاء بالباطل، الشكاية الكاذبة، الحفظ لعدم كفاية الحجة، قرار الحفظ، عدم سماع الدعوى، محكمة التعقيب التونسية، فقه القضاء التونسي، الفصل 36 مجلة الإجراءات الجزائية، الفصل 109 مجلة الإجراءات الجزائية، التشكي على المسؤولية الخاصة، جريمة الوشاية في القانون التونسي، الادعاء الباطل في القانون التونسي.
![]() |
| جريمة الادعاء بالباطل في تونس: الفصل 248، أركان الوشاية الباطلة وسوء النية وفق فقه قضاء محكمة التعقيب |
✍️ بقلم: دالي كرينو
بوابة كرينو نيوز
كرينو نيوز | Carino News
تحليل قانوني وإعلامي يرصد أبرز المسائل القانونية والقضائية في تونس.

ليست هناك تعليقات