الهاتف الذي يخيف العدالة.. من يقف خلف «التعليمات»؟ قضايا تُباع وأحلام تُشترى.. عندما يصبح اليأس تجارة إذا كان القانون للجميع.. فلماذا يبحث الناس عن رقم هاتف؟

حين يصبح الهاتف أقوى من المحكمة: من يبيع القضايا ويتاجر بوجع البشر؟

بقلم: دالي كرينو | بوابة كرينو نيوز

هناك شيء أكثر قسوة من أن تخسر قضيتك... أن تشعر أنك لم تخسرها أمام القانون، بل أمام هاتف لا تعرف من كان على الطرف الآخر منه.

في مكان ما من عالمنا، يقف إنسان أمام باب المحكمة حاملاً ملفاً ليس من الورق فقط. يحمل سنوات من عمره، ومالاً أنفقه، وأعصاباً استنزفها الانتظار، وأحياناً يحمل مصير طفل، أو بيت، أو وظيفة، أو كرامة عائلة بأكملها.

يدخل ذلك الإنسان وهو يعتقد أن المحكمة هي آخر مكان يمكن أن يلجأ إليه عندما تضيق به الدنيا. يعتقد أن القانون لا يعرف فقيراً ولا غنياً، ولا صاحب نفوذ ولا إنساناً بلا واسطة.

ثم يسمع العبارة التي تستطيع أن تهز هذا الاعتقاد من جذوره:

«هل عندك هاتف قوي؟»

هنا لا يعود الهاتف مجرد جهاز في الجيب.

يتحول إلى رمز.

رمز لعالم كامل من الهمس، والعلاقات، والوسطاء، والوعود، والانتظار، والأسئلة التي لا تجد جواباً.

ولنسمِّ هذا العالم، حتى لا نخلط بين الوقائع والاتهامات، «جمهورية نوفارا»؛ دولة خيالية لا وجود لها، لكنها تصلح مرآة لكل مجتمع يخشى فيه المواطن أن تكون العلاقات أقوى من النصوص.

في نوفارا، تنتشر بين الناس حكايات عن قضايا تحركت بعد مكالمة، وملفات ظلت جامدة حتى ظهر شخص يحمل رقماً هاتفياً ثم بدأ كل شيء يتغير.

هل كل هذه القصص صحيحة؟ بالتأكيد لا يمكن تحويل الشائعات إلى أحكام.

هل كل تأخير في قضية يعني وجود تعليمات؟ لا.

هل كل حكم لا يعجب صاحبه يعني أن القضية بيعت؟ أبداً.

لكن هناك سؤالاً أخطر من كل هذه الأسئلة:

لماذا أصبح المواطن أصلاً يعتقد أن الهاتف يستطيع أن يفعل ما يعجز عنه القانون؟

هنا تبدأ الكارثة.

لأن القضاء لا يعيش بالقوانين وحدها. القضاء يعيش أيضاً بثقة الناس فيه.

يمكن أن تكون هناك محاكم، وقاعات، وملفات، وأختام، وقوانين، وإجراءات، وموظفون، وقضاة، ومحامون، لكن إذا ترسخ في رأس المواطن أن هناك «طريقاً سرياً» أسرع من الطريق القانوني، فإن شيئاً خطيراً يكون قد بدأ يأكل المؤسسة من الداخل.

إنها تجارة الأمل.

يأتي شخص إلى صاحب قضية مكسور ويقول له: «لا تقلق، أعرف الطريق».

لا يشرح القانون.

لا يشرح الإجراءات.

لا يقدم ضماناً مكتوباً.

فقط يبيع جملة.

«أنا أعرف شخصاً يستطيع أن يحلها.»

والإنسان اليائس لا يسمع كلمة «ربما».

يسمع كلمة «نجاة».

فيبيع شيئاً.

يقترض.

يدفع.

ينتظر.

ثم يكتشف، إن كان الوعد وهماً، أن القضية ما زالت في مكانها.

أما المال فقد اختفى.

والسنوات لا تعود.

والأعصاب لا تُسترد.

من يعيد للإنسان عمره عندما يتاجر أحدهم بيأسه؟

هذه ليست مسألة مال فقط.

إنها مسألة كرامة.

جمهورية «أورفيانا»... حين يصبح وجع الناس صناعة

في دولة الوهم التي سنسميها «جمهورية أورفيانا»، لم تكن المشكلة أن القانون غائب. كانت المشكلة أن الناس بدأوا يشعرون بأن القانون موجود على الورق فقط، بينما توجد في الواقع طرق أخرى لا يعرفها إلا أصحاب النفوذ.

هناك، أصبح صاحب القضية يسمع كلمات لا علاقة لها بنص القانون: «اتركها علينا»... «نعرف الطريق»... «هناك شخص يمكنه التدخل»... «لا تقلق، الملف سيتحرك».

عبارات قصيرة، لكنها بالنسبة لإنسان يعيش تحت ضغط قضية قد تكون أثقل من الجبال.

ومن هنا تبدأ التجارة.

ليسوا بحاجة إلى متجر.

ولا إلى لافتة.

ولا إلى صندوق محاسبة.

يكفيهم هاتف، ورقم محفوظ، وقليل من الجرأة، وكثير من استغلال الخوف.

في أورفيانا، يصبح اليائس هو الزبون المثالي.

كلما كان أكثر خوفاً، كان أكثر استعداداً للدفع.

كلما كان ملفه أكثر حساسية، أصبح الوعد أغلى.

كلما طال انتظاره، أصبح أكثر قابلية لتصديق أي شخص يقول له: «أنا أستطيع أن أساعدك».

وهنا لا يعود السؤال: هل يستطيع هذا الشخص فعل شيء فعلاً؟

بل يصبح السؤال: كم سيدفع إن لم نترك له أملاً آخر؟

وهذا هو الوجه الأكثر سواداً في تجارة القضايا.

أن يتحول الإنسان من صاحب حق إلى زبون.

أن تتحول معاناته إلى فرصة استثمار.

أن يتحول خوفه إلى سعر.

أن تتحول دموعه إلى عمولة.

وأن يصبح مستقبل عائلة كاملة ورقة على طاولة أشخاص لا يرون في القضية إلا مقدار ما يمكن استخراجه منها.

يا لها من تجارة باردة!

تجارة لا تحتاج إلى مستودعات، لأن بضاعتها موجودة في صدور الناس.

لا تحتاج إلى شاحنات، لأن بضاعتها تنتقل من هاتف إلى هاتف.

ولا تحتاج إلى إعلان، لأن أكثر إعلان فعالية هو جملة واحدة: «أنا أعرف شخصاً».

لكن يجب أن نقولها بصرامة: هذه ليست حقيقة عن كل قاضٍ، ولا عن كل محامٍ، ولا عن كل موظف، ولا عن كل مؤسسة.

التعميم ظلم.

والاتهام بلا دليل جريمة أخلاقية.

لكن السكوت عن وجود مؤشرات حقيقية، متى ظهرت، ليس فضيلة أيضاً.

الفرق بين الصحافة والثرثرة هو الدليل.

والفرق بين النقد والتشهير هو الوقائع.

والفرق بين كشف الفساد وصناعة الفضائح هو التحقق.

لذلك لا نريد أسماء تُرمى في الهواء.

نريد ملفات.

نريد وثائق.

نريد قرارات.

نريد مسارات مالية عندما يكون المال جزءاً من الادعاء.

نريد شهادات يمكن التحقق منها.

ونريد مؤسسات لا تعتبر السؤال عدواً.

لأن المؤسسة الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى إسكات كل من يسألها.

المؤسسة القوية تجيب.

والمؤسسة النزيهة لا تخاف من التدقيق.

والموظف الشريف لا يحتاج إلى سوق من الأسرار كي يثبت شرفه.

والقاضي المستقل لا يحتاج إلى هاتف كي يقول كلمته؛ يحتاج إلى القانون.

أما المواطن، فلا ينبغي أن يحتاج إلى «رجل يعرف رجلاً» حتى يصل إلى حقه.

هذه هي النقطة التي يجب ألا نساوم عليها.

فالعدالة ليست شبكة علاقات.

العدالة شبكة ضمانات.

وكلما ضعفت الضمانات، ارتفع سعر الواسطة.

وكلما ارتفع سعر الواسطة، اتسعت سوق الوسطاء.

وكلما اتسعت سوق الوسطاء، أصبح المواطن العادي هو الحلقة الأضعف.

وهكذا تولد دائرة لا تنتهي:

غموض... خوف... وسيط... وعد... مال... انتظار... ثم خيبة.

وبعد الخيبة، لا يعود الإنسان يكره الشخص الذي أخذ ماله فقط.

قد يبدأ بكراهية النظام كله.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.

لأن الفساد، عندما يثبت وجوده، لا يسرق المال وحده.

إنه يسرق صورة الدولة من عين المواطن.

يجعله ينظر إلى القانون بشك.

وإلى المحكمة بخوف.

وإلى الموظف بريبة.

وإلى صاحب الحق باعتباره محظوظاً إذا وجد طريقاً مختصراً.

ثم تأتي الأجيال الجديدة لتسمع من آبائها:

«لا تعتمد على القانون وحده.»

وهذه الجملة، إن أصبحت ثقافة، أخطر من أي فضيحة منفردة.

لأن الطفل الذي يكبر وهو يعتقد أن الحق يحتاج إلى واسطة، قد يصبح غداً شخصاً يبحث عن واسطة عندما يكبر.

وهكذا تتحول المشكلة من سلوك فردي إلى ثقافة اجتماعية.

وهنا يجب كسر الدائرة.

ليس بالصراخ.

ليس بالاتهام الجماعي.

ليس بإهانة القضاء.

بل بالشفافية والمحاسبة والرقابة ووضوح الإجراءات وحماية من يكشف المخالفات وفق القانون.

نريد قضاءً يستطيع المواطن أن يختلف معه، لكنه لا يشك في نزاهته.

نريد محامياً يدافع عن موكله بالقانون، لا بوهم النفوذ.

نريد موظفاً يقول للمواطن: «هذه هي الإجراءات»، لا «اتركها عليّ».

نريد دولة يكون فيها أقوى رقم في القضية هو رقم القانون، لا رقم الهاتف.

لأن الهاتف يمكن أن يرن.

والمال يمكن أن ينفد.

والنفوذ يمكن أن يسقط.

لكن إذا سقطت ثقة الإنسان في العدالة، فإن إعادة بنائها قد تحتاج إلى سنوات.

وفي النهاية، لا يخيفنا أن تكون هناك أسئلة صعبة.

الذي يخيفنا أن يصبح الناس خائفين من طرحها.

ولا يخيفنا أن تكشف الصحافة خللاً.

الذي يخيفنا أن تصبح الصحافة نفسها خائفة من الاقتراب منه.

ولا يخيفنا أن نسمع اتهاماً.

الذي يخيفنا أن يختفي الدليل.

لهذا نقولها بلا تجميل:

من يثبت أنه باع حقاً ليس تاجراً عادياً.

إنه تاجر في مصير إنسان.

ومن يثبت أنه استغل قضية لتحقيق منفعة غير مشروعة لم يسرق مالاً فقط.

لقد سرق الثقة.

ومن يحاول إقناع الناس بأن القانون له باب سري لا يدخله إلا أصحاب النفوذ، فهو يضرب فكرة العدالة في الصميم.

أما المواطن، فنقول له:

لا تشترِ الوهم.

اطلب الوثيقة.

اسأل عن الإجراء.

اعرف حقك.

ولا تجعل خوفك رخصة مفتوحة في يد من يتاجر به.

لأن القضية قضيتك.

والحق حقك.

والقانون ليس ملكاً لمن يملك الهاتف.

وفي جمهورية أورفيانا الوهمية، كما في كل مكان يخشى على عدالته، يبقى السؤال الذي لا يجب دفنه:

إذا كان القانون للجميع... فلماذا يشعر بعض الناس أنهم يحتاجون إلى شخص فوق القانون كي يصلوا إليه؟

ذلك هو السؤال.

والسؤال، أحياناً، يكون أقوى من ألف بيان.

أن تأتي إلى شخص منهك من المحاكم، تعرف أنه لا ينام بسبب قضية تتعلق بطفله أو أسرته أو رزقه، ثم تجعل خوفه وسيلة للربح؛ هذه ليست «شطارة» ولا «فطنة» ولا «علاقات عامة».

إذا ثبتت مثل هذه الممارسات، فهي استغلال لوجع الإنسان.

والأخطر من الشخص الذي يطلب المال هو المجتمع الذي يسمح لهذه التجارة أن تصبح أمراً عادياً.

حين يقول الناس لبعضهم: «لا تدخل المحكمة وحدك».

حين تصبح النصيحة الأولى: «ابحث عن واسطة».

حين يصبح السؤال عن اسم الشخص أهم من السؤال عن مضمون القضية.

حين يقال لصاحب الحق: «ملفك قوي، لكنك تحتاج إلى شخص يعرف شخصاً».

عندها لا تكون المشكلة في هاتف واحد.

المشكلة في ثقافة كاملة بدأت تفقد ثقتها في القانون.

وهنا يجب أن نكون صارمين.

ليس من حق أحد أن يتهم قاضياً أو محامياً أو موظفاً ببيع قضية من دون دليل.

ليس من حق الصحافة أن تحول الشائعة إلى إدانة.

وليس من حق الغاضب من حكم قضائي أن يختصر دولة كاملة في عبارة «كل شيء يُباع».

لكن في المقابل، ليس من حق أي مؤسسة أن تطلب من المواطن الصمت عندما يسأل سؤالاً مشروعاً عن الشفافية والتأخير وتضارب المصالح وطرق اتخاذ القرار.

القضاء القوي لا يخاف من السؤال، والصحافة القوية لا تخاف من الوثيقة.

إذا كان هناك فساد، فليظهر الدليل.

إذا كانت هناك رشوة، فليُكشف مسار المال.

إذا كان هناك تدخل، فلتُعرض الوقائع.

إذا كانت هناك تعليمات غير قانونية، فلتكن هناك مساءلة.

أما الاتهام المجرد، فهو ظلم جديد قد يقع على بريء.

والسكوت عن الفساد، إن وُجد، ظلم آخر يقع على الجميع.

بين الظلمين يجب أن تقف الصحافة.

لا مع الإشاعة.

ولا مع الحصانة المطلقة من السؤال.

بل مع الحقيقة.

والحقيقة تحتاج إلى وثيقة.

تحتاج إلى قرار.

تحتاج إلى مسار يمكن تتبعه.

تحتاج إلى رقابة.

وتحتاج إلى مواطن يعرف حقوقه ولا يضطر إلى شراء الوهم.

لأن الشفافية ليست إجراءً بيروقراطياً بارداً.

الشفافية تقتل سوق السماسرة.

كلما عرف المواطن أين وصل ملفه، ولماذا تأخر، وما هي الجهة المختصة، وما هي طرق الطعن، وما الذي يستطيع فعله قانوناً، تقل مساحة الذين يعيشون على الغموض.

أما الغموض، فهو البيئة المثالية للوسيط.

كلما طال الانتظار بلا تفسير، ارتفع صوت الهاتف.

كلما غابت المعلومة، انتشرت الحكاية.

كلما شعر المواطن أنه خارج اللعبة، ظهر من يدعي أنه يملك مفتاحها.

وهكذا تتحول العدالة إلى سوق.

وهكذا يصبح وجع الإنسان منتجاً قابلاً للبيع.

وهكذا يولد أخطر سؤال في المجتمع:

هل الحق لمن يملكه القانون، أم لمن يملك ثمن الوصول إليه؟

القانون يجب أن يكون أعمى عن الجيب.

أعمى عن الاسم.

أعمى عن الشهرة.

أعمى عن النفوذ.

ولا يرى إلا الوقائع والأدلة والنصوص والإجراءات.

أما إذا شعر الفقير أن طريقه أطول لأن جيبه فارغ، وشعر الغني أن أبواباً إضافية تفتح له لأن هاتفه مليء بالأرقام، فإن الثقة لن تنهار في قضية واحدة فقط.

ستنهار في فكرة العدالة نفسها.

وهذا أخطر بكثير.

لأن المجتمع يستطيع أن يعيش مع حكم خاطئ ويطعن فيه.

لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلاً وهو مقتنع بأن الحكم نفسه قابل للبيع.

ومن هنا نفهم لماذا تظل حكايات القوانين القديمة حاضرة في الذاكرة الشعبية.

قانون ساكسونيا... حين يصبح اختلاف الطبقات مرآة للعدالة

تنتشر على الإنترنت قصة شهيرة تحت اسم «قانون ساكسونيا»، تزعم أن القانون كان يعاقب الفقير والنَبيل على الجريمة نفسها، لكن بطريقة مختلفة؛ فيُقطع رأس الفقير، بينما يُقطع «ظل» النبيل، ويُجلد الفقير أمام الناس بينما يُجلد ظل النبيل، ويُسجن الفقير فعلياً بينما يخرج النبيل من باب آخر.

القصة شديدة الغرابة، وشديدة القابلية للانتشار، لكنها تحتاج إلى تدقيق تاريخي قبل تقديمها كحقيقة.

المعروف تاريخياً هو «Sachsenspiegel» أو «مرآة السكسونيين»، وهو أحد أهم كتب القانون في ألمانيا في العصور الوسطى، ظهر في القرن الثالث عشر ووثّق الكثير من الأعراف والقواعد القانونية في المناطق السكسونية. ولا يصح اختزال هذا التراث التاريخي في الرواية الشعبية المتداولة عن «جلد الظل» باعتبارها نصاً قانونياً ثابتاً.

ومع ذلك، فإن التاريخ يقدم لنا شيئاً لا يقل إيلاماً عن الحكاية نفسها: المجتمع الوسيط كان شديد التراتب، وكانت المكانة الاجتماعية تؤثر في الحقوق والواجبات والعقوبات والتعويضات.

وهنا تصبح الحكاية، حتى عندما تكون مبالغاً فيها، استعارة مخيفة.

قانون واحد على الورق، وأثر مختلف على البشر.

وهذا هو السؤال الذي يجب أن يصل من الماضي إلى الحاضر:

هل يمكن أن يكون القانون واحداً، بينما تكون فرص الوصول إليه مختلفة؟

هل يمكن أن تكون الأبواب متساوية في النص، لكنها مختلفة في الواقع؟

هل يستطيع الفقير أن يدافع عن حقه بالقوة نفسها التي يدافع بها صاحب المال والنفوذ؟

هذه الأسئلة ليست اتهاماً لدولة بعينها.

إنها أسئلة إنسانية عن العدالة.

فالظلم لا يحتاج دائماً إلى قانون مكتوب يعلن التمييز.

أحياناً يكفي أن يجد الناس طريقة للالتفاف على القانون.

وأحياناً لا يحتاج الظلم إلى سيف ولا إلى سجن ولا إلى منصة.

يكفيه هاتف.

هاتف يرن في الوقت الخطأ.

هاتف يحمل رقماً لا يعرفه المواطن.

هاتف يجعل إنساناً يشعر أن هناك طريقاً خلف القانون.

وهنا يجب أن تكون الكلمة الأخيرة واضحة:

القضية ليست سلعة.

وجع الإنسان ليس تجارة.

والقضاء ليس خدمة تُشترى بالعلاقات.

ومن يملك دليلاً على فساد، فليقدمه.

ومن يملك وثيقة على تدخل، فليعرضها.

ومن يتاجر بوهم الناس، فليُحاسب إذا ثبت عليه ذلك.

ومن يملك حقاً، فلا ينبغي أن يُجبر على شراء طريق إليه.

أما الهاتف...

فليظل هاتفاً.

وليبق القانون أعلى من الرنين.

ولتبق المحكمة أعلى من الهمس.

وليبق الإنسان أعلى من الصفقة.

لأن العدالة التي تحتاج إلى واسطة كي تصل إليها، تكون قد فقدت جزءاً من معناها قبل أن يبدأ الحكم.

حين يصبح الهاتف باباً خلفياً للعدالة

المصيبة لا تبدأ عندما يرن الهاتف.

المصيبة تبدأ عندما يصمت القانون، فيبحث الناس عن هاتف.

هذه هي الجملة التي تختصر الحكاية كلها.

لأن المواطن الذي يملك ملفاً واضحاً، ووثائق صحيحة، وحقاً يحميه القانون، لا ينبغي أن يبحث عن شخص «يفتح له الأبواب». الأبواب القانونية يجب أن تكون مفتوحة أصلاً أمام الجميع، لا أن تحتاج إلى مفتاح سري يحمله أصحاب العلاقات.

لكن في «جمهورية أورفيانا» الوهمية، كان الناس يتحدثون عن شيء أكثر خطورة من الواسطة: كانوا يتحدثون عن اقتصاد التعليمات.

لا أحد يرى التعليمات.

لا أحد يعرف من أعطاها.

لا أحد يستطيع أن يضعها على الطاولة.

لكنها تعيش في الجملة الشعبية الباردة:

«لا تتعب نفسك... الموضوع محسوم.»

ما أقسى هذه الجملة عندما يسمعها صاحب حق.

وما أخطرها عندما تتحول من همسة إلى قناعة.

لأنك عندما تقول لإنسان إن النتيجة محسومة قبل أن يسمع القانون كلمته، فأنت لا تحرمه من حقه فقط؛ أنت تحرمه من الإيمان بأن القانون يمكن أن ينصفه.

وهنا يصبح الظلم أكبر من القرار نفسه.

قد يخسر الإنسان قضية، لكنه يستطيع أن يتقبل الخسارة إذا عرف لماذا خسر، وإذا قرأ الحكم، وإذا وجد طريقاً قانونياً للطعن، وإذا شعر أن الطرف الآخر لم يشترِ النتيجة.

أما أن يخسر وهو يعتقد أن القرار كان معروفاً قبل أن تبدأ المعركة، فهذه هزيمة من نوع آخر.

هزيمة في الثقة.

وهذه لا تعالجها ورقة.

ولا يعالجها ختم.

ولا يعالجها تصريح صحفي.

الثقة لا تعود إلا عندما يرى المواطن أن القاعدة تطبق على القوي والضعيف، وأن صاحب المال لا يحصل على قانون خاص، وأن صاحب النفوذ لا يمتلك ممراً سرياً داخل المؤسسات.

لأن أخطر طبقة في أي مجتمع ليست طبقة الأغنياء ولا الفقراء.

أخطر طبقة هي طبقة من يعتقدون أنهم فوق القاعدة.

هؤلاء لا يحتاجون دائماً إلى كسر الباب.

يكفيهم أن يعرفوا أين توجد المفاتيح.

وفي عالم الهواتف، قد يكون المفتاح مجرد رقم.

رقم واحد.

اتصال واحد.

ثم تبدأ الأسئلة.

من اتصل؟

ولماذا اتصل؟

وماذا قيل؟

وهل كان الاتصال عادياً أم تدخلاً؟

وهل توجد وثيقة؟

وهل توجد مصلحة؟

وهل حصل شخص على امتياز لم يحصل عليه غيره؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تجيب عنها الأدلة، لا الشائعات.

فالصحافة ليست محكمة شعبية، والقاضي ليس عدواً للمواطن، والمواطن ليس مجرماً لأنه سأل.

نحن لا نريد أن نضع الجميع في قفص الاتهام.

نريد فقط ألا يكون هناك قفص محصّن لا يستطيع السؤال الوصول إليه.

ومن هنا تأتي مسؤولية الدولة والمؤسسات: كلما كان المسار القضائي واضحاً، كانت مساحة السماسرة أضيق. وكلما كانت المعلومات غائبة، أصبح بائع الوهم أكثر جرأة.

لأن السمسار يعيش على جملة واحدة:

«أنت لا تعرف كيف تسير الأمور... وأنا أعرف.»

هذه الجملة يجب أن تخيفنا.

ليس لأنها تثبت فساداً بذاتها، بل لأنها تكشف شيئاً عن علاقة المواطن بالمؤسسة.

إذا كان الإنسان يعتقد أن الإجراءات الرسمية لا تكفي، وأن عليه أن يبحث عن رجل خلف الستار، فقد أصبحت هناك فجوة يجب ردمها.

فالعدالة لا ينبغي أن تكون لغزاً.

ولا ينبغي أن يكون الوصول إلى المعلومة امتيازاً.

ولا ينبغي أن يكون فهم الإجراءات حكراً على أصحاب العلاقات.

ولا ينبغي أن تتحول معاناة الإنسان إلى موسم صيد للوسطاء.

هناك أم تبيع ذهبها.

هناك أب يستدين.

هناك شاب يبيع سيارته.

هناك عائلة تجمع المال من الأقارب.

ليس لأن القانون طلب منها ذلك، بل لأن شخصاً أقنعها أن «الأمر يحتاج إلى مصاريف أخرى».

وهنا يجب أن تكون الصحافة قاسية جداً مع الظاهرة، وحذرة جداً مع الأسماء.

نضرب السلوك، لا الأبرياء.

نكشف الوقائع، لا نصنعها.

نطلب الدليل، لا نبيع الاتهام.

فالفساد، إن ثبت، لا يحتاج إلى مبالغة حتى يكون قبيحاً.

والحقيقة، إن كانت قوية، لا تحتاج إلى كذبة كي تصبح صادمة.

وهذا هو الفرق بين الصحافة التي تبحث عن المشاهدة، والصحافة التي تبحث عن أثر.

نعم، العنوان الصادم يجذب القارئ.

لكن الوثيقة هي التي تحمي الصحفي.

والدليل هو الذي يحمي الضحية.

والتحقق هو الذي يحمي الحقيقة.

لذلك، حين نتحدث عن «قضاء التعليمات»، يجب ألا نحوله إلى شعار سهل لتوزيع الاتهامات. بل يجب أن نسأل عن كل واقعة على حدة: أين الدليل؟ من استفاد؟ ما المسار؟ من اتخذ القرار؟ وما هي الضمانات التي تحمي استقلال القضاء؟

فإذا ثبت تدخل غير مشروع، فليكن الحساب صارماً.

وإذا لم يثبت، فليكن الإنصاف صارماً أيضاً.

هذه ليست مجاملة.

هذه هي العدالة نفسها.

وفي النهاية، ربما لا تكون المعركة الحقيقية بين المواطن والمحكمة.

ربما تكون المعركة بين القانون والهاتف.

بين النص والهمس.

بين الدليل والعلاقة.

بين باب المحكمة والباب الخلفي.

والسؤال الذي سيبقى مفتوحاً هو:

ماذا يحدث عندما يصبح المواطن مقتنعاً بأن الوصول إلى حقه يحتاج إلى رقم هاتف أكثر مما يحتاج إلى رقم مادة قانونية؟

إذا كان هذا مجرد وهم، فليُهدم الوهم بالشفافية.

وإذا كانت هناك وقائع، فلتتكلم الوثائق.

أما أن يبقى الإنسان عالقاً بين الشائعة والصمت، بين الخوف والانتظار، بين ملفه وهاتف الوسيط، فذلك هو المكان الذي تولد فيه أسوأ تجارة:

الهاتف الذي يخيف العدالة.. من يقف خلف «التعليمات»؟ قضايا تُباع وأحلام تُشترى.. عندما يصبح اليأس تجارة إذا كان القانون للجميع.. فلماذا يبحث الناس عن رقم هاتف؟

تجارة الناس بآلام الناس.

والذين يفعلون ذلك، إن ثبتت أفعالهم، لا يبيعون قضية.

إنهم يبيعون قطعة من حياة إنسان.

وهذه، مهما تغيرت أسماء الدول، ومهما تغيرت الوجوه، ومهما تطورت الهواتف، تبقى واحدة من أكثر الجرائم قسوة على معنى العدالة.

دالي كرينو
بوابة كرينو نيوز

شاهد أيضاً

    ليست هناك تعليقات