منتخبات العرب في قبضة العلاقات! عندما يصبح "ابن فلان" أقرب إلى القميص من صاحب الموهبة
منتخبات العرب في قبضة العلاقات! عندما يصبح "ابن فلان" أقرب إلى القميص من صاحب الموهبة
بقلم: دالي كرينو
بوابة كرينو نيوز
إلى متى ستظل بعض منتخباتنا العربية في كرة القدم تدور في الدائرة نفسها؟ وإلى متى يبقى الحديث عن بناء منتخب قوي مجرد شعار، بينما تطرح الجماهير أسئلة محرجة حول طريقة اختيار اللاعبين، وحول التدخلات والضغوط والعلاقات التي قد تجعل اسم اللاعب أهم من مستواه؟
نحن لا نتحدث عن خسارة مباراة، ولا عن إخفاق عابر. الخسارة جزء من كرة القدم، ومن لا يعرف تقبل الهزيمة لا يعرف معنى المنافسة. لكن هناك فرقاً هائلاً بين أن تخسر لأن خصمك كان أفضل، وبين أن تخسر لأنك لم تدخل المنافسة بأفضل ما لديك أصلاً.
المشكلة تبدأ عندما يصبح السؤال: من يقف خلف اللاعب؟ بدلاً من: ماذا قدم اللاعب داخل الملعب؟
المنتخب ليس ملكاً لأحد
المنتخب الوطني ليس نادياً خاصاً، وليس مؤسسة عائلية، وليس مساحة للمجاملة. المنتخب هو القميص الذي يحمل اسم الوطن، ولذلك يجب أن تكون معايير الوصول إليه أكثر صرامة من أي مكان آخر.
لا يهم من يكون اللاعب، ولا من يعرف، ولا من يستطيع الاتصال بمن. السؤال الوحيد الذي يجب أن يحسم القضية هو: هل يستحق ارتداء القميص الوطني؟
هل مستواه يؤهله؟ هل أرقامه جيدة؟ هل يقدم أداءً ثابتاً؟ هل ينافس بقوة على مركزه؟ هل يستطيع تنفيذ أفكار المدرب؟ هل يملك الشخصية التي يحتاجها المنتخب؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تحكم الاختيار.
أما إذا دخلت الحسابات الشخصية والمجاملات والتدخلات إلى عملية الاختيار، فإن كرة القدم تتحول من منافسة إلى شبكة مصالح.
عندما يصبح "ابن فلان" أهم من اللاعب
أخطر ما يمكن أن يحدث في كرة القدم هو أن يشعر اللاعب الشاب بأن موهبته ليست كافية.
يتدرب سنوات، ويقاتل في ناديه، ويقدم مستويات مميزة، وينتظر فرصة واحدة لإثبات نفسه، ثم يكتشف أن الطريق إلى المنتخب لا يمر دائماً عبر الملعب.
وفي المقابل، عندما يرى لاعباً آخر يحصل على فرص متكررة رغم أن مستواه لا يبرر ذلك، تبدأ الكارثة الحقيقية: فقدان الثقة في عدالة المنافسة.
وهنا لا نخسر لاعباً واحداً فقط، بل نخسر جيلاً كاملاً.
إذا لم يكن الملعب هو الواسطة الوحيدة إلى المنتخب، فماذا نطلب من اللاعب الشاب أن يؤمن به؟
المحسوبية لا تقتل النتائج فقط
البعض يعتقد أن قضية العلاقات والمحسوبية تنتهي عند قائمة المنتخب. وهذا خطأ.
المشكلة أكبر بكثير. عندما يشعر اللاعب الشاب بأن الاجتهاد وحده لا يكفي، فإنه يبدأ في البحث عن أبواب أخرى. وعندما تفقد الأكاديميات ومراكز التكوين الثقة في عدالة الفرص، يصبح تطوير المواهب أكثر صعوبة.
والنتيجة؟ مواهب تضيع، ولاعبون محبطون، وأجيال لا تعرف إن كان الطريق إلى القمة يمر عبر التدريب أم عبر العلاقات.
هذه ليست مشكلة رياضية فقط؛ إنها مشكلة ثقافة رياضية كاملة.
وفي البطولات الدولية... تسقط الحقيقة
يمكن للعلاقات أن تساعد في فتح باب، لكنها لا تستطيع أن تلعب تسعين دقيقة.
لا تستطيع العلاقات أن تركض مكان اللاعب، ولا أن تدافع، ولا أن تسجل، ولا أن تواجه منتخباً أقوى بدنياً وتكتيكياً وفنياً.
في المنافسات الدولية تسقط كل الأقنعة.
هناك لا يعرف الخصم "ابن فلان"، ولا يهتم بمن تدخل لهذا اللاعب أو ذاك. الخصم يرى القميص والمستوى فقط.
وهنا تظهر الحقيقة التي حاول البعض تأجيلها: منتخب لم تُبنَ اختياراته على معيار فني صارم سيدفع الثمن عاجلاً أم آجلاً.
ثم تأتي الخيبة... ثم تبدأ التبريرات
المشهد أصبح مألوفاً: تبدأ البطولة بالأحلام، وترتفع التوقعات، وتتعلق الجماهير بالمنتخب، ثم تأتي المواجهة الحقيقية وتظهر الفوارق.
بعدها يبدأ مسلسل التبريرات: سوء الحظ، الإصابات، ضغط المباريات، التحكيم، الظروف وقلة التحضير.
قد تكون بعض هذه الأسباب حقيقية، لكن السؤال الذي يجب ألا يختفي هو:
هل دخلنا البطولة أصلاً بأفضل اللاعبين الممكن اختيارهم؟ وهل كانت المعايير الرياضية هي الحاكم الأول؟
عشرون عاماً من "سنصلح"!
مر عقد وراء عقد، وتغيرت الإدارات والمدربون واللاعبون، لكن الجملة بقيت نفسها: سنصلح.
سنطور. سنبني. سنكتشف المواهب. سنمنح الشباب فرصة. سنغير المنظومة.
لكن بعد سنوات طويلة، يبقى السؤال الصادم: أين هو الإصلاح الذي وُعدت به الجماهير؟
الإصلاح ليس مؤتمراً صحفياً، وليس بياناً بعد الهزيمة، وليس تغيير مدرب ثم إعادة إنتاج الأخطاء نفسها.
الإصلاح الحقيقي هو أن يصبح اختيار اللاعب عملية واضحة، صارمة، عادلة وقابلة للمساءلة.
المدرب يجب أن يختار
إذا كان المدرب مسؤولاً عن النتائج، فيجب أن يمتلك القرار الفني.
لا يمكن أن نحاسب مدرباً على اختياراته ثم نكتشف لاحقاً أن القرار لم يكن فنياً بالكامل.
المدرب يحتاج إلى استقلالية، والاتحاد يحتاج إلى الشجاعة، والإدارة تحتاج إلى أن تقول بوضوح:
الأفضل سيلعب، ومن لا يقدم ما يكفي سيجلس على مقاعد البدلاء، مهما كان اسمه.
الجمهور ليس غبياً
هناك من يتعامل مع الجماهير وكأنها لا تفهم كرة القدم، وهذا خطأ فادح.
الجمهور يتابع اللاعبين أسبوعاً بعد أسبوع. يعرف من يتطور ومن يتراجع، ويعرف اللاعب الذي يصنع الفارق، ويعرف اللاعب الذي يحصل على فرص أكثر مما يستحق.
الجمهور قد يختلف في التحليل، لكنه ليس أعمى.
وعندما تتكرر الأسئلة نفسها حول الاختيارات، لا يجوز الرد دائماً بأن الجماهير لا تفهم.
نحن لا نفتقد المواهب... نفتقد العدالة
كرة القدم العربية مليئة بالمواهب. لدينا لاعبون قادرون على صناعة الفارق، ولدينا أجيال شابة تنتظر الفرصة، ولدينا جماهير تعشق كرة القدم.
لكن الموهبة تحتاج إلى منظومة عادلة.
اللاعب يحتاج إلى أن يعرف أن مستواه سيقوده إلى المنتخب. والمدرب يحتاج إلى أن يعرف أن قراره الفني لن يخضع لضغط خارج الملعب. والإدارة تحتاج إلى أن تعرف أن المنتخب ليس مساحة لإرضاء أصحاب العلاقات.
كفى وعوداً... نريد نتائج ومعايير
لقد حان الوقت لطرح أسئلة حقيقية:
- كيف يتم اختيار اللاعبين؟
- من يراقب أداءهم؟
- ما هي المعايير الفنية؟
- هل تتم مقارنة جميع اللاعبين في المراكز نفسها؟
- هل يحصل اللاعب الشاب على فرصة حقيقية؟
- هل يستطيع المدرب اتخاذ قراره بعيداً عن أي ضغط خارجي؟
هذه الأسئلة ليست هجوماً على كرة القدم العربية، بل هي دفاع عنها.
لأن من يحب المنتخب لا يريد أن يراه رهينة للعلاقات، ومن يحب وطنه لا يريد أن يرى القميص الوطني يتحول إلى مكافأة لمن يملك نفوذاً أو اتصالاً.
القميص الوطني يجب أن يكون أرفع من العلاقات، وأكبر من الأسماء، وأقوى من الضغوط.
الخلاصة: المنتخب وطن وليس مجلساً للمجاملات
آن الأوان أن تنتهي عقلية "ابن فلان" و"قريب فلان" و"صديق فلان" عندما يتعلق الأمر بالمنتخب الوطني.
آن الأوان لأن يصبح الملعب هو الواسطة الوحيدة، وأن يصبح الأداء هو جواز السفر، وأن يصبح الاجتهاد طريق الوصول.
إذا أردنا منتخبات عربية تنافس بقوة على المستوى الدولي، فعلينا أن نبدأ من أبسط قاعدة في كرة القدم:
اختيار الأفضل.
ليس الأكثر علاقة.
ليس الأكثر نفوذاً.
ليس الأكثر قدرة على الوصول إلى أصحاب القرار.
بل الأفضل فنياً.
لأن العلاقات قد تصنع قائمة، لكنها لا تصنع منتخباً.
والواسطة قد تفتح باباً، لكنها لا تسجل هدفاً.
والنفوذ قد يفرض اسماً، لكنه لا يستطيع فرض الفوز.
أما الملعب، فلا يعرف إلا الحقيقة.
![]() |
| منتخبات العرب في قبضة العلاقات! عندما يصبح "ابن فلان" أقرب إلى القميص من صاحب الموهبة |
المشكلة ليست دائماً في اللاعبين... أحياناً المشكلة فيمن يختار اللاعبين، وكيف يختارهم، ولماذا يختارهم.
وعندما نكرر الأخطاء نفسها لعشرين عاماً، ثم نخرج في كل مرة لنقول "سنصلح"، فعلينا أن نكون أكثر شجاعة ونقول الحقيقة كاملة:
لا يمكن أن نبني كرة قدم جديدة بعقلية قديمة.
ولا يمكن أن نطلب من الجماهير المزيد من الصبر بينما نعيد إنتاج الأسباب نفسها التي صنعت الخيبة.
إما أن يصبح المنتخب ملكاً للموهبة والعمل والاستحقاق... أو سنبقى نطارد الوهم ونعود من البطولات الدولية بالخيبة نفسها.
بقلم: دالي كرينو
بوابة كرينو نيوز

ليست هناك تعليقات