حجر بيد وحكم ينهار: قصة القضية التي كشفت "ثغرة" في تطبيق القانون أمام محكمة التعقيب | الفصل 136
🔨 حجرٌ في يد.. وحكمٌ ينهار: كيف كشفت محكمة التعقيب "الثغرة" التي برّأت متهما من تعطيل العمل بالقوة؟
بقلم: دالي كرينو ـ بوابة كرينو نيوز
قد يبدو المشهد للوهلة الأولى نزاعا عاديا بين جارين حول حدود ملكية عقارية، لكن خلف هذا النزاع البسيط تكمن واحدة من أكثر القضايا الجنائية دقة من الناحية القانونية: متى يتحول "الرفض" و"المنع" إلى جريمة جنائية موصوفة؟ وأين يقف الخط الفاصل بين الدفاع عن حق مشروع وبين استعمال القوة والتهديد لتعطيل عمل الغير؟ هذا بالضبط ما أجابت عنه محكمة التعقيب التونسية في قرارها الصادر بتاريخ 12 فيفري 2018 تحت عدد 57120، في قضية أعادت للأذهان أهمية الفصل 136 من المجلة الجزائية، وكشفت في الوقت نفسه عن خلل جوهري ارتكبته محكمة الاستئناف بالمنستير حين قضت ببراءة متهم رغم توفر أدلة دامغة على استعماله التهديد بالقوة.
القصة من البداية: مستودع، عقد بيع، وشجار حول "الطابق العلوي"
تعود وقائع القضية إلى شهر أوت 2014، حين تقدّم المدعو "ح ف" بشكاية إلى وكالة الجمهورية بالمنستير، أفاد فيها بأنه كان قد فوّت في مستودع مجاور لمنزله لفائدة المشتكى به "ر ر"، بمقتضى عقد بيع مسجّل تضمّن شرطا صريحا يمنع المشتري من البناء فوق الطابق العلوي للمستودع المذكور.
غير أن المشتري، وبتاريخ 29 أوت 2014، شرع فعليا في إنجاز أشغال بناء بذلك الجزء العلوي المحظور عليه التصرف فيه بموجب العقد. وهنا بدأت فصول النزاع: تدخّل البائع "ح ف" لمنع مواصلة الأشغال استنادا إلى بند العقد، فكان رد المشتري ـ بحسب الشكاية ـ عنيفا، إذ اعتدى عليه بالسب والشتم ورشقه بالحجارة، مستشهدا على تلك الواقعة بثلاثة شهود عيان.
على إثر ذلك، حُرّر المحضر عدد 3132/14 من قبل أعوان الحرس الوطني بالتلالسة بتاريخ 20 سبتمبر 2014، لينطلق مسار قضائي طويل ومعقّد سيصل إلى أعلى هرم القضاء التونسي.
الفصل 136 من المجلة الجزائية: متى يصبح "المنع" جريمة؟
لفهم جوهر هذه القضية، لا بد من الوقوف عند طبيعة الجريمة المنصوص عليها بالفصل 136 من المجلة الجزائية، والمعروفة بـ"تعطيل حرية العمل". هذه الجريمة لا تتحقق بمجرد الخلاف أو الاعتراض، بل تستوجب توفر ركنين أساسيين مجتمعين:
- الركن المادي: فعل المنع الفعلي من ممارسة العمل أو مواصلته، سواء كان هذا العمل بناء أو نشاطا مهنيا أو أي فعل مشروع آخر.
- ركن الوسيلة غير المشروعة: أن يتم هذا المنع باستعمال القوة المادية أو التهديد بها، لا بالحوار أو الاعتراض السلمي أو اللجوء للقضاء.
وهنا تكمن الدقة القانونية للقضية: فحمل شخص لحجر أثناء نقاش، حتى دون رميه فعليا، قد يكفي وحده لتكوين "ركن التهديد بالقوة"، لأن جوهر الجريمة لا يتطلب وقوع الاعتداء المادي فعلا، بل يكفي أن تكون وسيلة المنع قائمة على تخويف الطرف الآخر وإرهابه لإجباره على التوقف عن عمله.
الحكم الابتدائي: تبرئة بدعوى "تجرد التهمة"
بعد إحالة القضية على المجلس الجناحي بالمحكمة الابتدائية بالمهدية، أصدرت هذه الأخيرة حكمها الابتدائي الحضوري بتاريخ 30 مارس 2016 تحت عدد 6217، قاضيا بـعدم سماع الدعوى العامة والتخلي عن الدعوى الخاصة، أي بتبرئة المتهم عمليا من التهمة المنسوبة إليه.
استأنفت كل من النيابة العمومية والقائم بالحق الشخصي هذا الحكم، إلا أن محكمة الاستئناف بالمنستير أيّدت الحكم الابتدائي وأقرّته، معتمدة بشكل أساسي على شهادة أحد الشهود (المدعو "ع ض") التي فُسّرت على أنها تُفيد بأن المنع تم عبر "نقاش" فقط دون وقوع أي اعتداء فعلي من أي من الطرفين، مضيفة إلى ذلك أن المتهم كان قد استحصل على حكم استعجالي يقضي بوجوب احتكام النزاع إلى قضاء الأصل.
الطعن بالتعقيب: "تحريف للوقائع" و"إفراط في السلطة"
لم يقتنع الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بالمنستير بهذا التعليل، فتقدّم بمطلب تعقيب ضد الحكم، ناعيا عليه تحريف الوقائع وضعف التعليل. وأكد في مطعنه أن الشاهد "ع" ـ خلافا لما اعتمدته محكمة الاستئناف ـ صرّح فعليا بأن المتهم منعه من مواصلة العمل ودخل في نقاش مع الشاكي وهو ماسك بحجر بيده، وهو ما يوفر بوضوح ركن "المنع باستعمال التهديد بالقوة"، أحد الأركان الجوهرية للفصل 136 من المجلة الجزائية. كما شدّد الطاعن على أن وجود حكم استعجالي لصالح المتهم لا يُخوّل له أبدا أن ينفّذ حقه بنفسه ويستعمل القوة، لأن القضاء الاستعجالي لا يُغني عن اللجوء للقنوات القانونية السليمة.
وفي مسار مواز، تقدّم القائم بالحق الشخصي "ح ف"، بواسطة محاميه الأستاذ "أ م"، بمطلب تعقيب مستقل، أثار فيه مطعنين اثنين:
- خرق القانون: بمقولة أن المحكمة تجاهلت تماما توفر ركن المنع المصحوب بالتهديد بالقوة، رغم أن المتهم كان متسلحا بحجر، وهو ما أكدته شهادة "ع ض" نفسها.
- الإفراط في السلطة: بدعوى أن المحكمة رفضت طلب الدفاع بسماع شاهدين إضافيين (المدعوين "ع ح" و"ع ق") رغم تقديم شهادتيهما الكتابية وإبداء استعدادهما للإدلاء بأقوالهما أمام المحكمة، وهو ما اعتبره الطاعن هضما صريحا لحق الدفاع.
قرار محكمة التعقيب: نقض وإحالة
بعد الاستماع لملحوظات النيابة العامة والمداولة القانونية، خلصت محكمة التعقيب، في قرارها المؤرخ في 12 فيفري 2018، إلى قبول مطلبي التعقيب شكلا وأصلا معا، مؤسسة قرارها التاريخي على حيثيتين جوهريتين تستحقان التوقف عندهما:
الحيثية الأولى ـ تحريف الوقائع: اعتبرت محكمة التعقيب أن محكمة الاستئناف أخطأت في تطبيق القانون وحرّفت مضمون شهادة "ع ض"، ذلك أن هذه الشهادة تضمنت بوضوح أن المتهم منع الشاكي من مواصلة العمل وهو ماسك بحجر بيده، وهو ما يؤكد قطعا حصول تعطيل للعمل باستعمال التهديد بالقوة، وبالتالي توفر أركان جريمة الفصل 136 من المجلة الجزائية كاملة، خلافا لما ذهبت إليه محكمة الموضوع.
الحيثية الثانية ـ هضم حق الدفاع والإفراط في السلطة: شدّدت محكمة التعقيب على أن من "أوكد واجبات المحكمة البحث عن الحقيقة دون توان"، وأن ذلك يستوجب الاستماع لكل من يمكن أن يُسهم في الوصول إلى تلك الحقيقة، وبالضرورة شهود الواقعة، خصوصا إذا تمسّك الخصوم أنفسهم بطلب سماعهم. وبما أن محكمة الاستئناف تجاهلت طلب الشاكي سماع بيّنته رغم الأهمية الحاسمة لذلك الطلب في تحديد ما إذا كان المتهم قد استعمل القوة فعلا أم لا، فإن ذلك يشكل تجاوزا لحدود السلطة القضائية وهضما لحق الدفاع، لا سيما أن إثبات استعمال القوة من عدمه لا يمكن أن يتم إلا عبر البيّنة الشخصية.
وعلى هذا الأساس، قضت الدائرة الجناحية الثانية والعشرون بمحكمة التعقيب، برئاسة القاضي جمال العبيدي وعضوية المستشارين منير وردليتو وفتحي السكندراني، وبحضور المدعي العام المنتصر صفطة وكاتب الجلسة أحمد عبيد، بـنقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية مجددا على محكمة الاستئناف بالمنستير للنظر فيها من جديد بواسطة هيئة أخرى، مع إعفاء القائم بالحق الشخصي الطاعن من الخطية وإرجاع مبلغ التأمين إليه.
الدرس القانوني: لماذا يهم هذا القرار كل مواطن؟
يحمل هذا القرار أهمية تتجاوز حدود القضية بذاتها، إذ يرسّخ مبدأين جوهريين في القانون الجزائي التونسي:
أولا، أن ركن "التهديد بالقوة" في جريمة تعطيل العمل لا يستلزم بالضرورة وقوع اعتداء مادي فعلي، بل يكفي أن تكون وسيلة المنع محمّلة بما يُرهب الطرف الآخر ويُجبره على التوقف، كحمل سلاح أبيض أو حجر أثناء المواجهة، حتى دون استعماله فعليا.
ثانيا، أن حصول شخص على حكم قضائي استعجالي لصالحه لا يمنحه أبدا الحق في "تنفيذ" ذلك الحكم بنفسه بالقوة، لأن القانون التونسي يحتكر وسائل التنفيذ الجبري عبر القنوات الرسمية فقط، ومن يخالف ذلك يعرّض نفسه للمساءلة الجزائية مهما كان محقا في أصل النزاع.
وثالثا، وهو الأهم ربما من الناحية الإجرائية، أن رفض المحكمة الاستماع إلى شهود يطلب الخصم سماعهم، خاصة حين تكون شهادتهم حاسمة في تحديد وجود الجريمة من عدمها، يشكل خرقا جسيما لحق الدفاع يستوجب النقض، وهو تذكير مهم بأن "البحث عن الحقيقة" ليس شعارا شكليا بل التزام قانوني صريح يقع على عاتق كل قاض.
تبقى القضية الآن على ذمة محكمة الاستئناف بالمنستير التي ستنظر فيها مجددا بهيئة مغايرة، في انتظار أن تُصدر حكما جديدا يأخذ بعين الاعتبار حيثيات محكمة التعقيب.
المصدر: قرار محكمة التعقيب التونسية عدد 57120 الصادر بتاريخ 12 فيفري 2018.





ليست هناك تعليقات