من أغنى رجل في آسيا إلى السجن المؤبد.. القصة الكاملة لسقوط مؤسس «إيفرغراند»
من أفقر أبناء قرية صينية إلى أغنى رجل في آسيا.. ثم السجن المؤبد: القصة الكاملة لانهيار إمبراطورية «إيفرغراند»
هناك قصص تصلح لأن تُروى في قاعات المحاضرات كمثال على "الحلم الصيني" المتحقق، وهناك قصص أخرى تُروى كتحذير من ثمن الطموح غير المنضبط. لكن قصة هوي كا يان، مؤسس عملاق العقارات الصيني «إيفرغراند»، جمعت بين الاثنين في رحلة واحدة، بدأت من كوخ متواضع في قرية صينية فقيرة، ووصلت إلى قمة المال والنفوذ في آسيا، قبل أن تنتهي أخيرًا خلف قضبان السجن مدى الحياة.
من حضن الجدة إلى قمة العقارات الصينية
وُلد هوي كا يان، المعروف أيضًا باسم شو جيايين، في أواخر خمسينيات القرن الماضي، في قرية صغيرة بمقاطعة خنان وسط الصين، وترعرع في كنف جدته لأبيه بعد ظروف عائلية قاسية. لم تكن البدايات مبشرة على الإطلاق؛ فبعد إنهائه الدراسة الثانوية عام 1975، عمل في الزراعة، ثم كحارس أمن، قبل أن ينجح في اجتياز امتحان القبول الجامعي من محاولته الثانية عام 1978، ليلتحق بدراسة المعادن معتمدًا على منح دراسية ومساعدات لتغطية نفقاته. كان قد وُلد في أواخر الخمسينيات في قرية صغيرة بمقاطعة خنان وسط الصين، وتربى على يد جدته لأبيه، وبعد تخرجه من الثانوية عام 1975 عمل في الزراعة وكحارس أمن، ثم اجتاز امتحان القبول الجامعي من محاولته الثانية عام 1978 ودرس المعادن معتمدًا على منح ومساعدات مالية.
في عام 1996، وبعد سنوات من العمل والتدرج، أسس هوي شركة «إيفرغراند» العقارية في مدينة قوانغتشو، لتبدأ رحلة نمو مذهلة سرعان ما جعلتها واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في الصين، بل والعالم. تضخمت الشركة بوتيرة قياسية، وقفزت ثروة مؤسسها إلى أرقام فلكية، حتى بات في وقت من الأوقات أغنى رجل في آسيا بأكملها، ورمزًا حيًا لما يمكن أن يحققه الطموح الفردي في ظل الطفرة الاقتصادية الصينية.
إمبراطورية بُنيت على جبل من الديون
لكن خلف الواجهة اللامعة من ناطحات السحاب والمشروعات العملاقة، كانت هناك حقيقة أكثر هشاشة: «إيفرغراند» كانت تنمو بالاعتماد شبه الكامل على الاقتراض. مليارات الدولارات من القروض والسندات كانت تغذي كل مشروع جديد، في نموذج عمل بات يُعرف لاحقًا بـ"الديون العالية والرافعة المالية العالية ودوران الأصول العالي"، وهو النموذج الذي هيمن على قطاع العقارات الصيني لعقدين كاملين قبل أن ينهار.
الضربة الحقيقية جاءت عام 2020، حين قررت بكين كبح جماح هذا النموذج عبر فرض قيود صارمة على استدانة شركات العقارات، في خطوة كانت تهدف إلى تبريد سوق عقاري متضخم. لكن «إيفرغراند»، المثقلة أصلًا بديون تجاوزت 300 مليار دولار، وجدت نفسها عاجزة عن مجاراة هذه القيود الجديدة.
الانهيار: من بيع العقارات بالخصم إلى التخلف عن السداد
مع تصاعد أزمة السيولة، لجأت الشركة إلى بيع وحداتها العقارية بخصومات ضخمة في محاولة يائسة لتوفير النقد اللازم لسداد التزاماتها المتراكمة. لكن المحاولات لم تكن كافية، وفي عام 2021 دخلت «إيفرغراند» رسميًا في أزمة تعثر مالي هزّت الأسواق العالمية، وأثارت مخاوف حقيقية من "لحظة ليمان براذرز صينية".
الأخطر من ذلك، أن الانهيار كشف عن مأساة إنسانية موازية: ملايين الدولارات التي دفعها مشترو الشقق مقدمًا، ثقة منهم بأن أموالهم ستُستخدم لإتمام بناء منازل أحلامهم، لم تذهب بالكامل إلى تلك المشروعات، بل وُجّه جزء كبير منها لتمويل مشروعات عقارية جديدة، في دوامة تمويل متسلسلة تركت مئات المشروعات معلّقة دون اكتمال، وآلاف العائلات في مواجهة كابوس حقيقي: دفعوا مقابل شقق قد لا تُسلَّم أبدًا.
اقتصاد بأكمله تحت الصدمة
لم يكن سقوط «إيفرغراند» مجرد فشل شركة واحدة، بل كان زلزالًا اقتصاديًا بمعنى الكلمة. فقطاع العقارات كان يمثل، في تلك الفترة، نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي الصيني، وشكّل لعقود مصدرًا أساسيًا لإيرادات الحكومات المحلية عبر بيع الأراضي. انهيار عملاق بحجم «إيفرغراند» أرسل موجات صدمة عبر القطاع بأكمله، وساهم فيما بات يُعرف اليوم بأزمة القطاع العقاري الصيني المستمرة حتى الآن.
من أغنى رجل في آسيا إلى متهم في قاعة المحكمة
وبينما كانت الشركة تترنح، بدأت قصة هوي كا يان الشخصية تأخذ منحى مختلفًا تمامًا. ففي مارس 2024، فرضت هيئة الأوراق المالية الصينية عليه غرامة بلغت 6.5 مليون دولار، ومنعته مدى الحياة من دخول سوق رأس المال الصيني، بعد اتهامه بالمبالغة في إيرادات شركته بمبلغ ضخم بلغ نحو 78 مليار دولارحيث فرض المنظّم الصيني على هوي كا يان غرامة قدرها 47 مليون يوان (6.53 مليون دولار) ومنعه مدى الحياة من دخول سوق الأوراق المالية، بعد اتهام الوحدة الرئيسية للشركة بتضخيم النتائج المالية وارتكاب مخالفات في الإفصاح. وفي أغسطس 2025، تعرضت أسهم «إيفرغراند» لضربة قاضية أخرى بشطبها من بورصة هونغ كونغ، بعد أن كانت قد فقدت 99% من قيمتها السوقية.
وفي سبتمبر 2023، وُضع هوي تحت ما يشبه الإقامة الجبرية القسرية أو الرقابة الشرطية، في مؤشر واضح على أن ملفه انتقل من الأزمة المالية إلى العدالة الجنائيةحيث وُضع تحت رقابة الشرطة، في إشارة إلى أن مسار الشركة ربما دخل مرحلة جديدة تتعلق بالعدالة الجنائية.
الحكم النهائي: المؤبد ومصادرة كل شيء
![]() |
| من أغنى رجل في آسيا إلى السجن المؤبد.. القصة الكاملة لسقوط مؤسس «إيفرغراند» |
وبعد سنوات من التحقيقات والانتظار، جاء الفصل الأخير من هذه الملحمة في أغسطس 2026، حين أصدرت محكمة في مدينة شنتشن الصينية حكمها القاطع: السجن مدى الحياة لهوي كا يان، مع مصادرة كامل ممتلكاته الشخصية، وحرمانه من حقوقه السياسية بشكل نهائي، بعد إدانته بتهم جسيمة شملت الاختلاس والرشوة التجارية، وهي تهم كان قد أقرّ بها بنفسه في وقت سابق من العامحيث حكمت محكمة في شنتشن على هوي كا يان بالسجن مدى الحياة لارتكابه "جرائم مركّبة متعددة"، مع مصادرة جميع ممتلكاته الشخصية، فيما تم تغريم إيفرغراند 8.82 مليار يوان (1.31 مليار دولار)، وتم تغريم وحدتها العقارية 7 مليارات يوان إضافية، في واحدة من أكبر الغرامات التي فرضتها محكمة صينية في قضية جنائية على الإطلاق، كما حُرم هوي من حقوقه السياسية مدى الحياة، وكان قد أقرّ بالذنب في أبريل بتهم شملت اختلاس أصول الشركة والرشوة التجارية.
ولم يكن هوي وحده من واجه قسوة الحكم؛ إذ صدرت أحكام بالسجن أيضًا بحق نجليه وعدد من كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركة، ليتجاوز عدد المدانين في هذه القضية الشائكة الخمسين شخصًابعد أن أُدين في محكمة بمدينة شنتشن جنوب الصين، وتم تغريم الشركات مجتمعة أكثر من 2.3 مليار دولار عن جرائم مالية شملت تضخيم أصول المجموعة وإخفاء التزاماتها التي تجاوزت 300 مليار دولار.
نهاية أسطورة.. وبداية نقاش أعمق
وصفت وكالة "بلومبرغ" ما جرى بأنه خاتمة لواحدة من أكثر قصص الصعود والسقوط دراماتيكية في تاريخ الشركات الصينية الحديثحيث اعتُبر الحكم نهاية لواحدة من أكثر قصص الصعود والسقوط دراماتيكية في تاريخ الشركات الصينية، بعد أن كان الملياردير المنكوب، وهو ثاني أغنى رجل في آسيا سابقًا، قد حوّل إيفرغراند إلى نموذج للإفراط المؤسسي خلال الطفرة العقارية الصينية الطويلة، قبل أن تنهار إمبراطوريته بعد تعثرها عام 2021 ويجد نفسه في دائرة تحقيقات رسمية أدت في النهاية إلى سقوطه. لكن القصة تتجاوز مصير رجل واحد، مهما بلغت ثروته أو نفوذه سابقًا؛ فهي تطرح أسئلة جوهرية حول حدود النمو المعتمد على الديون، ومسؤولية الشركات الكبرى تجاه المدخرين الصغار الذين وضعوا فيها كل ثقتهم وأموالهم.
من قرية فقيرة في خنان إلى قاعة محكمة في شنتشن، تختصر رحلة هوي كا يان قانونًا قديمًا قدم التاريخ نفسه: أن الصعود السريع المبني على أساس هش، مهما بدا لامعًا، يحمل في داخله بذور سقوطه.
بقلم: دالي كرينو – بوابة كرينو نيوز

ليست هناك تعليقات